سيد محمد طنطاوي

534

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال بعض العلماء ما ملخصه : والخلاف في كون إبليس من الملائكة أولا مشهور عند أهل العلم . وحجة من قال إنه ليس منهم أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس ، فهم - كما قال اللَّه عنهم : لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ . والثاني : أن اللَّه - تعالى - صرح في هذه الآية الكريمة بأنه كان من الجن ، والجن غير الملائكة . قالوا : وهو نص قرآني في محل النزاع . واحتج من قال بأنه منهم ، بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ قالوا : فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم ، والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع . قالوا : ولا حجة لمن خالفنا في قوله - تعالى - * ( كانَ مِنَ الْجِنِّ ) * ، لأن الجن قبيلة من الملائكة ، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم . وأظهر الحجج في المسألة . حجة من قال : إنه ليس من الملائكة ، لأن قوله - تعالى - * ( إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) * هو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي ، والعلم عند اللَّه - تعالى - « 1 » . ومن المفسرين الذين يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة . الإمام ابن كثير ، فقد قال - رحمه اللَّه - قوله : * ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ ) * أي : خانه أصله ، فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من نور ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن عائشة عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » . فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة ، وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة ، وتشبه بهم ، وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم ، وعصى بالمخالفة . ونبه - تعالى - هاهنا على أنه « من الجن » أي : « أنه خلق من نار . . » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 120 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 163 .